أبي طالب المكي

86

علم القلوب

خيالك في سرى وذكرك في فمي * ومثواك في قلبي فأين تغيب ثم قال : ليته غاب عنى « 1 » ، وإن لم يغب عنى فليته غيبنى ، فقلت : هذا رجل أحرقته نار التوحيد ، فمضيت وتركته . وقال ذو النون : من تفكر في كيفية صعود الرب ونزوله واستوائه على عرشه ، أخرجه ذلك إلى الزندقة والتعطيل ؛ لأنه جل ثناؤه ليس كمثله شئ في كل شئ ، ولو شاء لم يتكلم ، ولم ينقصه ترك الكلام ، ولو شاء تكلم بلا كلام ، ولو شاء تكلم بلا إلهام ، ولو شاء أقوى أبصار الناظرين على رؤيته ، وأسكن الكثير في القليل ، وأسمع الميت الرحيم خفى الكلام ، الذي لا يسمعه الحي السوى ، ما عرف إلا معرفة بكيفية صدوره وصعوده ونزوله واستوائه ، إلا التسليم والرضا والإقرار بالإيمان به لا غير . * * * الآية الثانية قوله جل ذكره حكاية عن إقرار الذر : وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى [ الأعراف : 172 ] قال أبو بكر النقاش : في معناه أجاب [ ت ] طائفة بقول : بلى ، فهم أهل السعادة والرضوان ، وأجاب [ ت ] طائفة أخرى ، فقالوا : بل لا ، جحودا ، فهم أهل الشقاوة والخذلان . وقال أبو سعيد النيسابوري في كتابه : أنطقهم بتفريد التوحيد ، فقال بعضهم : بلى ، وقال بعضهم : بل لا ، فكان « 2 » المؤمنون كاللآلى الرطبة « 3 » ، والكافرون كالحميم الأسود ، فذلك قوله تعالى : فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ

--> ( 1 ) ليس المراد الجرأة على مقام الألوهية جل وتقدس ، بل المراد التعبير عن عدم احتمال الطاقة البشرية لذوق التجليات الإلهية ، فليته غابت عنه الأذواق ، حتى يقوم في مقام الإيمان بالغيب دون ذوق لذلك الإيمان الغيبي وشهود له . ( 2 ) في الأصل : مكان . ( 3 ) في الأصل : الرطب .